بحكم قضائي … قراءة في حكم حجب يوتيوب

Key Details

  • المنطقة
    الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • المحاور
    تنظيم المحتوى والرقابة عليه

تم نشر هذا التقرير في الأصل من قِبل مؤسسة حرية الفكر والتعبير، وتم إعادة نشره هنا بإذن منها.

مقدمة

في شهر أغسطس من العام ٢٠١٨، صدَّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانونيِ مكافحة جرائم تقنية الإنترنت والمجلس الأعلى للإعلام، وهما قانونان يكرسان بشكل واضح ممارسة حجب مواقع الوِب ومراقبة الاتصالات في مصر. قبل إقرار تلك القوانين المثيرة للجدل كانت البيئة القانونية المصرية تفتقد الغطاء الشرعي والمسوغ القانوني لممارسة الحجب التي انتهجتها السلطات المصرية على نطاق واسع بدءًا من شهر مايو ٢٠١٧ ونتج عنها حجب ما يقرب من ٥٠٠ موقع، بحسب الحصر الأخير لمؤسسة حرية الفكر والتعبير.

تستتبع حالات غياب التنظيم التشريعي لممارسات الحكومة، أي حكومة، لا سيما وإن كانت تتسم بهذه الدرجة من التوسع والتغول على حقوق المواطنين، تدخلًا من القضاء يتعلق بقراءة وتفنيد ووضع حد لتلك الممارسات، ويكون الحجب واسع النطاق في هذه الحالة. أقيمت عدة دعاوى أمام القضاء الإداري بخصوص حجب بعض المواقع، من بين تلك القضايا تلك التي أقامها موقع مدى مصر للمطالبة بالكشف عن أسباب ومسوغات حجب موقعهم داخل مصر، إلا أن كافة الدعاوى لا زالت منظورة أمام القضاء الإداري ولم يُصدِر حكمًا نهائيًّا في أيٍّ منها، وبالتالي لم يسنح لنا إلى الآن استجلاء موقف القضاء الإداري من حملة الحكومة على المواقع الإلكترونية.

إلا أن قضية أخرى تتعلق بحجب موقع “يوتيوب” قد اكتملت فصولها القضائية وصدر فيها حكم نهائي بات عن المحكمة الإدارية العليا قد تمكننا قليلًا من فهم مسلك القضاء الإداري فيما يتعلق بهذا الأمر. تمكننا فترة نظر الدعوى الطويلة نسبيًّا (أقيمت الدعوى في عام ٢٠١٢) من ملاحظة تغير موقف القضاء المصري ونظرته إلى تلك الممارسات وتزامن هذا التغير مع تطور موقف السلطة التنفيذية معها.

أقيمت دعوى حجب موقع “يوتيوب” في ١٨ سبتمبر ٢٠١٢، طعن خلالها المدعي على القرار السلبي بامتناع جهة الإدارة (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في هذه الحالة) عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحجب موقع “يوتيوب” والروابط التي تعرض أحد الأفلام المسيئة إلى الرسول. وقدم المدعي في أولى جلسات الدعوى قرصًا مُدمجًا يتضمن المقاطع الموجودة على الموقع موضحًا أن هذه المقاطع يتم تداولها تحت عناوين مختلفة مثل (MUHAMMAD MOVIE TRAILER- براءة المسلمين ـ الفيلم المُسيء للرسول). وعليه قضت محكمة القضاء الإداري بحجب موقع “يوتيوب” لمدة شهر، ورغم توصية هيئة المفوضين بالمحكمة الإدارية العليا بإلغاء حكم الدرجة الأولى فإن الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا (تسمى مجازًا دائرة الحقوق والحريات) أيدت الحكم وبالتالي أصبح حجب موقع “يوتيوب” حكمًا نهائيًا.

مرت الدعوى، خلال نظرها في درجات التقاضي المختلفة، بمحطات متعددة أعربت من خلالها الجهات القضائية عن رأيها في موضوع الدعوى، وقد أجمعت على ضرورة حجب الروابط المتعلقة بعرض الفيلم المُسيء إلى الرسول واختلفت فيما يتعلق بحجب الموقع كاملًا. كما شهدت هذه المراحل تغيرات شديدة في توجهات المحاكم فيما يتعلق باتساع نطاق الرقابة على الإنترنت، إلا أن هناك فواصل ونقلات واضحة يمكن رؤيتها من خلال قراءة الأسانيد التي اعتمدت عليها الجهات القضائية لحجب الموقع، والأمر هنا لا يتعلق فقط بالأسانيد القانونية بالمعنى الضيق _أي ذكر النص/السند القانوني_ الذي تم الاعتماد عليه في اتخاذ قرار الحجب، بل القراءة هنا تتعلق بكيفية رؤية وتطبيق النص وتدعيمه أحيانًا بموجب نصوص من عهود ومواثيق دولية.

تحاول هذه الورقة قراءة ما جاء في أوراق القضية في درجات التقاضي المختلفة، بدءًا من محكمة القضاء الإداري إلى الاستشكال المقدم لوقف تنفيذ الحكم مرورًا بتقرير هيئة المفوضين ووصولًا إلى حكم المحكمة الإدارية العليا. كما تولي الورقة بعض الاهتمام لبعض الأحكام الصادرة في عدد من القضايا التي لها صلة بحجب المواقع أو قطع خدمات الاتصالات والتي نظرتها محاكم القضاء الإداري.

Authors

حسن الأزهري

محام بمؤسسة حرية الفكر والتعبير

محمد ناجي

باحث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير